محمد علي الأشيقر
48
لمحات من تاريخ القرآن
ولو « ان الرسول ( ص ) جاء للإنسانية في أمسها القريب أو يومها الحاضر أو لو أن عشرات الأنبياء انطلقوا من بعده بين المدائن والقرى مبشرين ومنذرين ما عدوا حدود القرآن في هديهم ولا تجاوزوا حلوله السمحة في المشاكل التي تعترضهم » « 15 » . ومن هذا المنطلق يمكن تمييز القرآن المجيد عن الدساتير والقوانين الوضعية ، فهذه الدساتير والقوانين رغم نظرتها الضيقة للحياة وضيق محيط عملها وانها من صنع ووضع نفس الانسان وحصيلة فكره القاصر ، رغم هذه وتلك فهي مادية ونفعية في روحها وجوهرها بعيدة عن الفضيلة وعن الأخلاق في كثير من بنودها واحكامها تشوبها المثالب والمآخذ من كل جانب ومكان فضلا عن عدم مسايرتها لركب المجتمع وقافلة التاريخ إلا لفترة جد قصيرة ومحدودة تتعرض خلالها وعلى الدوام للتنقيح والإضافة والحذف ثم لا تلبث اثر ذلك ان تسقط تحت ثقل أوزارها ، وبعد ذلك يتداعى الانسان القاصر ليملأ الفراغ الذي حصل عن فشلها وسقوطها فيسعى من أجل أن يقيم على أنقاضها دساتير وقوانين لتنظيم مسيرة الحياة لفترة محدودة أخرى وعلى غرار الأولى ، مما سيؤدي بالثانية دون شك للوصول إلى النتيجة التي آلت إليها الأولى من قبل والدرك الذي هوت فيه غير مأسوف عليها . . وإذا ما أراد المرء لهذه الدساتير الثبات والبقاء فضلا عن مواكبتها لروح العصر وحاجات الانسانية المتطورة فما عليه إلا أن يفرض على مشرعيها طوعا أو كرها إعادة النظر فيها فورا من أجل سحق ومحق كل شيء جاء فيها يتعارض مع روح القرآن الكريم أو يخالف أحد أصوله أو فروعه حتى ولو تطلب الحال التضحية بها جميعا ، مع الأخذ بنظر الاعتبار استبعاد فكرة التطعيم والترقيع جملة وتفصيلا كأن يؤخذ شيئا من أحكام اللّه تعالى لتضاف أو تضم إلى هذه القوانين والدساتير « لأن
--> ( 15 ) تأملات في الدين والحياة - محمد الغزالي .